ابن عربي

145

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

موعظة حدّثنا صاحبنا أيضا أبو عبد اللّه بن عبد الجليل بمكة قال : يحكى أن ملكا من ملوك اليونانيين انتبه من منامه في بعض الغدوات فأتته قيّمة ملبسه بثيابه فلبسها ، وناولته المرآة فرأى شيبة في لحيته فقال : المقراض يا جارية ، فأتته به ، فقصّ الشيبة وناولها إياها ، فتناولتها ووضعتها في كفها وأصغت إليها بأذنها ساعة والملك ينظر إليها ، فقال لها : ما الذي تصغين إليه يا جارية ؟ قالت : أستمع إلى ما تقول هذه الشعرة التي عظم مصابها بمفارقة الكرامة العظمى حين سخطها الملك وأقصاها . فقال لها : فما الذي سمعت من قولها ؟ قالت : زعم قلبي أنه سمعه تقول كلاما لا يجترئ لساني على النطق به لاتقائي سطوة الملك . فقال لها : قولي على حال آمنة وعدم توقّ ما لزمت أسلوب الحكمة . قالت : إنها تقول : أيها الملك المسلّط على أمر قصير ، إني ظننت بك البطش والاعتداء عليّ ، فلم أظهر على سطح جسدك حتى بضت وحضنت بيضي ، فأفرخت وأعهدت لبناتي بالأخذ بثأري عهدا إذ كأنهنّ خرجن فجعلن للأخذ بثأري باستئصالك أو تنغيص لذتك وتنحيف قوّتك حتى تعدّ الهلك راحة . فقال : اكتبي كلامك هذا ، فكتبته في صحيفة فناولته إياها . فتأملها مرارا ، ثم قام ودخل بيت النسّاك ولبس زيّ النسك ، وترك الملك حتى لحق بربه . وأنشدني في هذا المعنى صاحبنا علي بن محمد القفصيّ : وناذرة بالشيب حلّت بعارضي * فبادرتها بالنتف خوفا من الحتف فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي * رويدك للجيش الذي جاء من خلفي ومن هذا الباب ما حدثنا أيضا به صاحبنا أبو عبد اللّه قال : دخلت حرقة بنت أبي قابوس النعمان بن المنذر ابن ماء السماء على سعد بن أبي وقاص ، وهو بالقادسية إذ ذاك مع جملة من جواريها وعليهن المسوح السود والصلبان صلت البنود ، فسلمن عليه ، فلم يميز حرقة من بين جواريها لمشاركتها إياهن في الزيّ وكنّ رواهب ، فقال سعد : أفيكنّ حرقة ؟ فقال : ها أنا ذه ، فقال : أنت حرقة ، فقالت : فما تكرارك استفهامي ، اعلم أيها الأمير أن الدنيا دار قلعة وزوال ، فما تدوم على حال ، تنتقل بأهلها انتقال ، وتعقبهم حالا بعد حال ، وإنا كنا ملوك هذه الأرض ، يجبى إلينا خراجها ، ويطيعنا أهلها ، فدنا مدى المدة ، وزوال الدولة ، فلما أدبر الأمر ، وصاح بنا صائح الدهر ، فصدع عصانا ، وشتت ملانا ، وكذا الدهر يا سعد ، إنه ليس من قوم أتحفهم بفرحة إلا أعقبهم بقرحة ، وأنشدت : بينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف